سيد محمد طنطاوي
118
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والجبن والفزع إلى غاية بحيث قالوا لنبيهم الذي ظهرت على يديه خوارق عظيمة - فَاذْهَبْ أَنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ وانتهى قابيل إلى طرف نقيض منهم من الجسارة والعتو بأن أقدم على أكبر المعاصي بعد الشرك وهو قتل النفس التي حرم اللَّه قتلها ، بحيث كان أول من سن القتل ، وكان عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة . فاشتبهت القصتان من حيث الجبن عن القتل والإقدام عليه . ومن حيث المعصية بهما وأيضا فتقدم قوله في أوائل الآيات : إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وتبين ان عدم اتباع بني إسرائيل للنبي صلى اللَّه عليه وسلم إنما سببه الحسد ، وقصة بني آدم انطوت على الحسد : وأن بسببه وقعت أول جريمة قتل على ظهر الأرض « 1 » . وقوله : * ( واتْلُ ) * من التلاوة . وأصل التلاوة القراءة المتتابعة الواضحة في مخارج حروفها . وفي النطق بها . والمراد بابني آدم : ولداه وهما قابيل وهابيل . قال القرطبي : واختلف في ابني آدم . فقال الحسن البصري : ليسا من صلبه كانا رجلين من بني إسرائيل - ضرب اللَّه بهما المثل في إبانة حسد اليهود - وكان بينهما خصومة ، فتقربا بقربانين ، ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل قال ابن عطية : وهذا وهم ، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل يقتدى بالغراب ؟ والصحيح أنهما ابناه لصلبه . هذا قول الجمهور من المفسرين وهما قابيل وهابيل « 2 » . والضمير في قوله : * ( عَلَيْهِمْ ) * يعود على بني إسرائيل الذين سبق الحديث عنهم . أو على جميع الذين أرسل الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لهدايتهم ويدخل فيه بنو إسرائيل دخولا أوليا ، لإعلامهم بما هو في كتبهم حيث وردت هذه القصة في التوراة . وقوله * ( بِالْحَقِّ ) * متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر * ( اتْلُ ) * أي : أتل عليهم تلاوة ملتبسة بالحق والصدق . والقربان : اسم لما يتقرب به إلى اللَّه - تعالى - من صدقة أو غيرها . ويطلق في أكثر الأحوال على الذبائح التي يتقرب إلى اللَّه - بذبحها . قال أبو حيان : وقد طول المفسرون في سبب تقريب هذا القربان - من قابيل وهابيل - وملخصه : أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى ، وكان آدم يزوج ذكر هذا البطن أنثى ذلك البطن الآخر . ولا يحل للذكر نكاح توأمته : فولد مع قابيل أخت جميلة ، وولد مع هابيل أخت دون ذلك . فأبى قابيل إلا أن يتزوج توأمته لا توأمة هابيل ، وأن يخالف سنة النكاح ونازع قابيل هابيل في ذلك ، فاتفقا على أن يقدما قربانا - فأيهما قبل قربانه تزوجها ، والقربان الذي
--> ( 1 ) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ص 460 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 133